“عَمَلِيَّاتُ العَقْلِ-المَفْتوح” (Open-Mind Surgeries) – حَلْقَة (6)

تكامُلُ الـ "كَيْف" الإدارِيّ مَع الـ "ماذا" الفَنِّيّ

عَزام زَقزوق

عَزام زَقزوق

مُستَشارُ ومُدرِّبُ وإستراتيجـيُّ إدارةِ مشروعات

Share on email
Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin

إنَّ الإدارةَ وإستراتيجِيّاتَها، وعِلْمُ ومِهْنَةُ إدارةِ المشروعات الجَوهَرُ والمَطِيَّةُ لها، تُمَثِّلُ الـ “كَيْفَ” (How) في إدارةِ الأشياءِ المختَلِفَةِ والمتَنَوِّعَة؛ والتي بدورِها تُمثِّلُ الـ “ماذا” (What)… وعليه؛ تَعَدَّدَت الـ “ماذات” (Whats)! والـ “كَيْفُ” (How)! واحِدُ.

مثال (1): جَدوَلُ الضَّربِ الرِّياضِيّ؛ بِاعتبارهِ الـ “كيف”، هو واحِدٌ… أما الأشياء المضروبَة (أمثلة: عددُ السكان، مساحاتُ الأراضي، العَيِّناتُ الدَّوائِيَّة، ومَقاديرُ المحاصيل… إلخ) فهي مُختلِفَةٌ ومُتَنَوِّعَة؛ بِاعتبارها الـ “ماذا”.

مثال (2): أصولُ الفِقْهِ الإسلاميِّ؛ بِاعتبارهِ الـ “كيف”، هو واحِدٌ… أما الفِقْهُ فمُختَلِفَةٌ ظُروفُهُ، ومُتَنَوِّعَةٌ أحكامُهُ، ومُتَغَيِّرَةٌ فَتاواهُ؛ بِاعتبارهِ الـ “ماذا”.

مثال (3): “اجتِهادُ الخُبَراء” (Expert Judgement)؛ بِاعتبارهِ أسلوبٍ من أساليب الـ “كيف”، هو واحِدٌ… أما ما يُرجَعُ فيه لاجتهادِ الخُبَراء فهو مُختَلِفٌ ومُتَعَدِّدٌ ومُتَنَوِّعٌ؛ بِاعتبارهِ الـ “ماذا”.

بموجِبِ هذا المفهوم الأصوليِّ نُقَرِّرُ، بدَورِنا كَخُبَراء ومُنَظِّرين إداريّين، أنَّ أيَّ مشروعٍ إستراتيجيٍّ في الوُجودِ له مَظْهران ووَجْهان (Facets) عامّان؛ مَظهَرٌ يُعنى بالجانِبِ الفَنِّيِّ لمواصفات المُنتَج أو الخِدمَة أو النَّتيجَة النهائية للمشروع؛ أي الـ “ماذا”، ومَظهَرٌ يُعنى بالجانِبِ الإداريِّ للعمليات والإجراءات والممارسات والوسائل والأساليب… إلخ للمشروع؛ أي الـ “كيف”.

أما أيُّ المظْهَرَيْن والوَجْهَيْن أهَمُّ في تحقيق رؤيا (Vision) المُنَظَّمَة؛ فإنَّ مِمّا لا شَكَّ فيه إستراتيجِيًّا… أنَّ الـ “كيف” أهمُّ وأجدَرُ بالرِّعايَةِ من الـ “ماذا”؛ وفي كُلٍّ خَيْر. وسَبَبُ يَقينِنا القَطْعِيِّ هذا أنَّ الـ “كيف” مُستَقِلٌّ (Independent) أما الـ “ماذا” فَهُوَ عالَةٌ وتابِعٌ (Dependent)؛ ومِن بَديهَةِ القولِ أنَّ إعطاءَكَ الجائعَ سَمَكَةً (أي: الـ “ماذا”) كَفَيْتَهُ يَوْمَهُ، وتعليمَكَ إياهُ الصَّيْدَ (أي: الـ “كيف”) كَفَيْتَهُ العُمُرَ كُلَهُ.

وعليه؛ فإنَّ تأهيلَنا (وليس مُجرَّد تَعليمِنا أو تَدريبِنا) مُديرَ المشروعات، هو في جَوهَرِهِ تأهيلٌ للشخص الذي سيُعنى بمظهر الـ “كيف” للمشروع؛ وليس الـ “ماذا” منه. لاعتِبار أن الـ “ماذا” في المشروع هو جوهَرُ عَمَلِ “الفَنِّيّين” (Technicians)، و”الخُبَراء الفَنِّيّين” (Techies)، و”التِّقانِيِيِّن” (Technologists)، من الناس. وأيُّ غَبَشٍ وبَهَتٍ عِلميٍّ… أو ضبابِيَّةٍ وتَداخُلٍ عَمَليٍّ… فيما بين حُدودِ هذَيْن المَظهرَيْن والوَجهَيْن مُؤَدّاهُ إصابةُ الإنتاجِيَّةِ (الإنتاجِيَّة تساوي الكَفاءَة والفَعّالِيَّة والتَّرشيد مجتمعين) في مَقْتَل…!

هذا المفهومُ الإداريُّ الأصوليُّ عَصِيٌّ فَهْمُهُ على الخُبَراءِ الفَنِيِّين والتِّقانِيِيِّن من الموظَّفين؛ لأنَّ مَبْلَغَهُم من العِلْمِ والفَهْمِ والتَّصَوُّرِ مُسْتَحْوِذٌ وغالِبٌ عليه اختِصاصُهُم الدَّقيق؛ وهُم في هذا مَعذورون؛ حيث أنَّ كُلًّا مِنّا مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له… ومن ناحيةٍ أخرى؛ أنَّ الخالِقَ عَزَّ وَجَل رَفَعَ بَعْضَنا فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ؛ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا سُخْرِيًّا (وليس سِخْرِيًّا!).

ومن هذا المنطَلَقِ كانت مَقولَتُنا التي أسَّسْناها وأشَعْناها مُؤَخَّرًا في حقِّ الإداريِّ: “إنْ تَعَذَّرَ الإداريُّ عن إتْمامِ مُهِمَّتِهِ بعُذرِ الوَقْتِ فاعْلَم إما أنه: غيرُ أمينٍ (Dishonest) أخلاقِيًّا… أو غيرُ مُؤهَّلٍ (Incompetent) مِهْنِيًّا… أو كِلَيْهِما معًا؛ فجَوهَرُ مُهِمَّةِ الإداريِّ: إدارةُ وتدبيرُ الإنجاز، وليس الإنجاز ذاتُه”. إدارةُ وتدبيرُ الإنجاز لجِهَةِ تحقيقِ الأهدافَ (Objectives)، ومن ثَمَّ الغايات (Goals) الإستراتيجية، القائدة باتِّجاهِ رُؤيَا واضِحَة.

إنْ تَعَذَّرَ الإداريُّ عن إتْمامِ مُهِمَّتِهِ بعُذرِ الوَقْتِ فاعْلَم إما أنه: غيرُ نَزيهٍ أخلاقِيًّا… أو غيرُ مُؤهَّلٍ مِهْنِيًّا أو كليهما معًا

تحياتي للتَّغييريِّين النَهضويّين،،،