“عَمَلِيَّاتُ العَقْلِ-المَفْتوح” (Open-Mind Surgeries) – حَلْقَة (1)

إدارةُ الـ "Risk" ليست مجرَّد إدارة مَخاطِر

عَزام زَقزوق

عَزام زَقزوق

مُستَشارُ ومُدرِّبُ وإستراتيجـيُّ إدارةِ مشروعات

Share on email
Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin

قالوا: “خَطأ مَشهورٌ خير من صَحيحٍ مَهجور” أو “خطأ شائِعٌ خَير من صَوابٍ ضائِع”، والبعض طبَّقَ القاعدةَ الفقهيةَ الأصولِيَّة “لا مُشاحَّةَ في الاصطِلاحِ”، أي لاَ مُناقشَةَ ولا مُخاصَمَة وَلاَ مُماحَكَة إن اقتَصَرَ الخَلَلُ على مُجَرَّدِ الاصطِلاح…

قلنا: هذا كله صحيح؛ إن لم يُخِلَّ المَبْنى واللفظُ والمصطلَحُ اللغويُّ بالمَعْنى والدَّلالَةِ الحَقَّةِ الصَّحيحة، أما إن حصل الخَلَلُ فتكون المشاحَّةُ بالنقاشِ والحِوارِ واجِبَة، لا بل والمعالجةُ العِلمِيَّةُ بـ “عمليةِ عَقْلٍ مفتوحٍ” (Open-Mind Surgery) لازِمَة. وهذا بالمجمل لسببٍ بسيطٍ؛ أنَّ المَعنى غالبًا ما يقودُ المَبنى. طبعًا؛ هذا كُلُّهُ إن سَلَّمْنا بأنَّ كلمة “Risk” هي مصطلحٌ أصلًا! وليست كلمةً أصيلةً في اللغة الإنجليزية…! نعم، فهناك رأيٌ بأنَّ كلمة “Risk” هي في أصلها كلمَة “رِزْق” في اللغة العربية. لكن الرأي هذا لم نجد له ما يبرهِنُهُ من الأدلَّةِ والحُجَجِ. وعليه؛ ضرَبنا عنه صَفحًا.

هَلُمُّوا إذَن نَتَبَيَّنُ معًا مَنْشَأَ الـ “Risk”:
إنَّ مِمّا لا شَكَّ فيه ولا رَيْب أنَّ الـ “Risk” في الأعمال ينشَأ من منسوبِ الغُموضِ والغَيْبِ “Uncertainty”، وفي الأعمال المشروعاتية منها على وجه الخصوص. وعليه، أينما وجدنا عملًا – مَشروعاتيًّا كان أو تَشغيلِيًّا – يَنْطَوي على غُموضٍ أو غيبٍ فَثَمَّةَ “Risk”.

الغَيبَ يَنطَوي على الخَيْرِ “Opportunities” والسُّوءِ “Threats” مُجتَمِعَيْن. وليس مجرَّد السُّوء مُنفَرِدًا، حيث تَوَقُّعُ حُصولِ الضَّرَر.

وبناءً على يقينِنا الواقِعِيّ هذا من مَنْشَأ الـ “Risk” نطرحُ سؤالًا عامًّا ومباشرًا: هل الغُموض والغَيب يَنْطَوون على المخاطر والمهدِّدات “Threats” وحسب، أم على الفُرَصِ والمنافِعِ “Opportunities” كذلك؟ الجواب: بالتأكيد؛ أنهم يَنْطَوون على المخاطِرِ والفُرَصِ مُجتَمِعَيْن. هذا من الناحية العَقْلِيَّةِ الصَّريحَة.

أما من الناحية النَّقْلِيَّةِ الصَّحيحَة؛ فإنَّ مِمّا يُستَنْبَطُ من قَولِ عَلّامِ الغُيوب عز وجل في أمره لرسوله -صلى الله عليه وسلم- للعالَمين بالقَول: “قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ…” الأَعراف:188. يُستَنبَط منه أنَّ الغَيبَ يَنطَوي على الخَيْرِ “Opportunities” والسُّوءِ “Threats” مُجتَمِعَيْن. وليس مجرَّد السُّوء مُنفَرِدًا، حيث تَوَقُّعُ حُصولِ الضَّرَر.

ومن الناحِيَةِ اللُّغَوِيَّةِ المُعجَمِيَّة “Lexically”؛ فقد اختار شيخُ مُتَرجِمي العَرَب، وعُضوُ مَجمَعِ اللغةِ العربية أ. مُنير البعَلبَكيّ، صاحب قاموس “المَوْرِد” الشهير، اختار معنى “مُجازَفَة” لكَلِمَة “Risk” ضمن منهجيَّتِهِ الفَذَّة في اختِيارِ أدَقِّ وأوَّلِ وأقرَبِ المعاني الدَّلالِيَّة، ومن ثَمَّ إيرادِ المعاني الأخرى الأقلَّ قُربًا ومعنىً تِباعًا. وهذا من دقائِقِ فِقْهِهِ اللُّغَويّ في اللغَتَيْن؛ العربية والإنجليزية، يرحمه الله.

إذ أنَّ اختِيارَ معنى “مُخاطَرَة” كمعنىً أوَّلِيًّا فيه حَجْرٌ له على شِقٍّ وبُعدٍ واحِد، ألا وهو المخاطِر والمهَدِّدات “Threats” وحسب. وهذا من الناحية العلمية المهنية يُمَثِّلُ نِصفَ الحقيقة “Half-Truth”! أما اختِيارُه معنى “مُجازَفَة” ففيه دَلالَةٌ على المخاطر والفُرص مُجتَمِعَتَين. وهذا الاختيار، من الناحية العلمية المهنية، يُمثِّلُ الحقيقةَ كاملة.

بعد هذا البيان الموجَز والمُبَرهَن بالعَقْلِ والنَّقْلِ واللغَةِ لا يبقى لنا إلا أن نُعَرِّبَ معنى إدارة الــ “Risk” بـ “إدارة المجازَفات”، وليست “إدارة المخاطِر” بأيِّ حالٍ من الأحوال. وأقَلُّها في علم ومهنة وفنّ إدارة المشرُوعات “PM”؛ فإنها “إدارةُ مُجازَفات” وليست “إدارةَ مَخاطِر”؛ بلا أدنى شَكٍّ أو رَيْب. لماذا؟ لأنَّ تعريفَ وغايةَ إدارَةِ “Risk” المشروع – بموجب دَّليلِ المَتن المَعرِفيّ لإدارة المشرُوعات، الإصدارِ السادس – هما: “أن نَزيدَ من احتِمالِيَّةِ و/أو تأثيرِ الأحداثِ الإيجابِيَّةِ، وأن نُقَلِّلَ من احتِمالِيَّةِ و/أو تأثيرِ الأحداثِ السَّلبِيَّةِ، مِن أجلِ استِمثالِ حُظوظِ نَجاحِ المشروع” صفحة 395.

قد يقولُ قائلٌ ويسألُ سائلٌ: وما هي “القيمَة المضافَة” (Added-Value) من هذه المعالجة أصلًا؟ وما الإشكال أو المشكلة فيما لو كانت إدارة “مَخاطِر” أو “مُجازَفات”؟! وهل لهذا الفرق اللغويّ الإداريّ من أثَرٍ إرادِيٍّ عَمَليٍّ؛ حتى نُشاحِحَ فيه؟! نُجيبُ: إنَّ فَهم مدير المشروع وفريق إدارة المشروع “PMT”، ومن ثم تَصَوُّرهِم الحاكِم على سُلوكِهِم القَولي والعَمَليّ، إنَّ هذا الفهمَ إن كان مَحجورًا ومَقصورًا على كَونِ الـ Risk هي مَخاطِر ومُهدِّدات وحسب، فسيكونُ له أثرٌ سلبيٌّ على عدم تَوازُنِ حُكمِهِم، وصَوابِ قرارِهِم، لِجِهَةِ تحقيقِ أهدافِ المشروع من نواحٍ عِدَّة.

حَجْرَ مدير المشروع وفريقه فهمهم وتصورهم، وبالتالي سلوكهم، على شِقِّ وبُعدِ المخاطر والمهدِّدات يورِثُ سلبِيَّةً في الإرادَةِ، وقِلَّةَ تَوازُنٍ في الحُكْم، ومُجانَبَةَ صَوابٍ في القَرارات.

فمثلًا: إدارةُ Risk “مقاومَة التَّغيير” Change Resistance في إدارة مشروعٍ تأهيليٍّ لطاقِمِ منظَّمة، أو إدارة مشروعِ “أتْمَتَةِ” Automation عمليات وإجراءات أخرى، فإنَّ إدارة الـ “Risk” فيهما لا يَنْطَوِيان على المخاطِرِ والمهدِّدات “Threats” وحسب، وإنما على الفرص والمنافع Opportunities كذلك… ومنها توظيف مقاومة التغيير وما سينتجُ عنها في سَدِّ الثُّغْرات، وتَتْميمِ الاحتياطات، واكتشاف نقاط الضَّعف في عملنا المُمَثَّل بــ “ماذا” (What) ومقاربته الإدارية ذاتها المُمَثَّلة بـ “كَيْف” (How).

وعليه؛ فإنَّ حَجْرَ مدير المشروع وفريقه فهمهم وتصورهم، وبالتالي سلوكهم، على شِقِّ وبُعدِ المخاطر والمهدِّدات يورِثُ سلبِيَّةً في الإرادَةِ، وقِلَّةَ تَوازُنٍ في الحُكْم، ومُجانَبَةَ الصَواب في الإدارة…

في الخِتام، ومن مَوقِعِ مسؤولِيَّتي الاجتماعِيِّةِ الإدارِيَّةِ؛ فإنِّي أهيبُ بالسادَةِ والسيِّدات والآنِسات العرَب المستَشارين منهم، والخُبَراء، والمدَرِّبين، والممارِسين، وطُلّاب الدِّراسات العليا الإدارية… إلخ، أهيبُ بهم جميعًا إلى أخْذِ مُعالجَتِنا الإدارية غير المسبوقة هذه في الاعتبار؛ في مناحي حياتهم العِلمِيَّةِ المِهْنِيَّةِ، والعَمَلِيَّةِ التَّطبيقِيَّة.

تحياتي للتَّغييريِّين النَهضويّين،،،