“عَمَلِيَّاتُ العَقْلِ-المَفْتوح” (Open-Mind Surgeries) – حَلْقَة (7)

فُـرُوضُ أَعيـانِ وَكِفايـاتِ إدارَةِ المَشرُوعـات

عَزام زَقزوق

عَزام زَقزوق

مُستَشارُ ومُدرِّبُ وإستراتيجـيُّ إدارةِ مشروعات

Share on email
Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin

مِن مَنْظُورِ علم أصول الفِقْهِ الإسلاميِّ وقَواعِدِهِ تنقَسِمُ الفروض الشرعية إلى:

فُرُوضِ الأَعيـانِ (Individual Duties/Obligations)؛ وهي: ما طَلَبَ الشارعُ (في كتابِ اللهِ عزَّ وجل، وَثابِتِ سُنَّةِ رَسولِهِ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم) فِعلَهُ من كُلِّ فَردٍ من أَفرادِ المُكَلَّفِين طَلَبًا جَازِمًا. كالصَّلاة، والزَّكاة، والصَّوم… إلخ.

وَفُرُوضِ الكِفايـاتِ (Collective Duties/Obligations)؛ وهي: ما طلبَ الشارعُ فِعلَهُ من مجموع المُكَلَّفين، ولم يطلبه من كل واحد منهم، فإن قام العَدَدُ الذي يَكْفِي وَيُجْزِئُ سَقَطَ عن الباقِين، وإلا أَثِموا جميعًا. كصلاةِ العِيد، وغَسْلِ الميِّتِ والصلاةِ عليه ودَفْنِه، وعَمَلِنا الإداريِّ الاختِصاصِيِّ… إلخ.

وعَلَيه؛ إذا كان هذا هو الأصلُ في حَيَوِيَّــةِ تقسيمِ فُروضِ الشَّريعَـةِ (الطَّريـقِ) الإسلامِيَّة، بِاعتبارها مِنْهاجِ (طَريقَـةِ) حياةٍ لُحميٍّ/كامليٍّ، فهو في مَناحِيها المختلفة والمُتَنَوِّعَة أَوْلى وآكَدُ وأَجدَر… وَالإدارَةُ أَحَدُها. قال تعالى: “… لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا…” المائدة:48.

بناءً على هذا؛ نُقَرِّرُ إداريًّا أنَّ ما يُعَدُّ فُرَوضَ/واجِباتِ أَعيانٍ إداريَّةٍ على مَن يُديرُ المشروعَ الواحدَ بِعَينِهِ هو المجالاتُ المعرِفِيَّةُ (Knowledge Areas) العَشْرُ (10)، ومَجمُوعاتُ العَمَلِيَّاتُ (Process Groups) الخَمْس (5)… حيث إنَّهُ مطلوبٌ تطبيقها إداريًّا على الوجوبِ والفَرْض، وبشكلٍ عَيْنيٍّ، في كُلِّ مشروعٍ من المشروعات؛ وَفْقًا/بِمُوجِبِ دَليلِ المَـتـْنِ المَعْرِفيِّ لإِدارَةِ المَشْرُوعات – الإصدارِ السادِس وَالأحْدَث – الصادِرِ عن مَعهَدِ إِدارَةِ المَشْرُوعات (PMI – PMBOK® Guide – Sixth Edition)، بِاعتبارهِ مِعيارٍ قِياسِيٍّ عالَمِيّ (Global Standard)، ودون إسقاطٍ أو إغفالٍ لِأَيٍّ منها.

فمثلًا؛ لا يُمكِنُنا اعتبار إدارة المشروع إدارة معيارية قياسية من الناحية العلمية المهنية إن لم تَتَضَمَّن إدارتُهُ مَجموعةَ عمليات “التَّخطِيـط” (Planning)، أو “المُراقَبَة والضَّبط” (Monitoring & Controlling)… أو لم تأخذ إدارةُ ذات المشروع (على سبيل التمثيل أيضًا) المجالَ المعرفيَّ لإدارة المُجازَفات (Risk)، أو إدارة الجَوْدَة (Quality)، في الاعتبار والتطبيق…

إنَّ في معرفة وتطبيق قاعدة/مقياس فُرُوض الأعيان والكفايات الإدارية المهنية الجوابَ الكافي لمن سأل عن الحلّ الوافي!

أما ما يُعتَبَرُ فروضٌ كِفائِيَّةٌ من الناحِيةِ الإداريَّةِ على مَن يُديرُ المشروعَ الواحدَ بِعَينِهِ فهو العمليات (Processes) التسع والأربعون (49)، والفَريدُ، وغَيرُ المُكَرَّرِ، من المُدخَلات، وَالوَسائِل وَالأسالِيب، وَالمُخرَجات (ITTOs) المائَةِ وَسَبْعَةٍ وَأَربَعِين (147)… حيث إِنَّ تطبيقَها من الناحية المعيارية القياسية يشملُ عُمومَ المشروعات؛ شريطة اختِيارِ وتطبيقِ ما يَكفي منها، ويُجْزِئ المشروع الواحد بِعَينِهِ؛ وغياب ما يَكفي ويُجْزِئ يُعَدُّ/يُحدِثُ خَلَلًا إداريًّا، غير مقبولٍ مِهْنيًّا.

فمثلًا؛ لو قمنا بِدَمْجِ عَمَلِيَّتَي “تَقْدِير التَّكالِيـف” (Estimate Costs) و “تَقْرِير المُوازَنَـة” (Determine Budget) لاعتِبارِ بَساطةِ المشروع، أو صِغَرِ حجمه النِّسبيّ، فهذا مقبولٌ القيام به. وكذا الحال؛ لو اكتَفَيْنا بالقيام بـ “أَداءِ التَّحلِيلِ النَّوعِيِّ للمُجازَفات” (Perform Qualitative Risk Analysis) في مشروعٍ ما، وتَغافَلْنا (وليس أَغْفَلْنا!) “أَداء التَّحلِيلِ الكَمِّيِّ للمُجازَفات” (Perform Quantitative Risk Analysis) فيه، لاعتِبارِ اللَّايَـقِيـنِ والغُموضِ (Uncertainty) المنخَفِض نِسبِيًّا، أو لأنَّ المشروعَ تَنَبُّـئِيُّ (Predictive)، مثلًا، وليس تَكَيُّفِـيًّا (Adaptive) في دورة حياته، فإنَّ هذا أيضًا مِمَّا يُقبَلُ؛ لا بل ويُعَدُّ من الحِكْمِةِ أحيانًا.

وبالمثل؛ لو اكتَفَيْنا في عملية “إنشاءِ هَيْكَلِ تَحلِيلِ العَمَل” (WBS) باستخدام أسلوب “اجتِهاد الخُبَراء” (Expert Judgment)، وأَعرَضْنا عن أسلوب “التَّحليل إلى مُكَوِّناتٍ أَبْسَط” (Decomposition)، أو العكس؛ لاعتبار مستوى تعقيدِ أو بساطةِ ظَرفِ المشروع، أو مُتاحِيَّــةِ (Availability) مَوارِدِهِ… إلخ، فإنَّ هذا جائزٌ أيضًا، لا بل ويُستَحسَن أحيانًا، من الناحية الإدارية المِهْنِيَّة.

أمثِلَتُنا المذكورة حَول فروض الكفايات في إدارة المشروعات، وغيرها الكثير، تُؤَكِّدُ وَتَشتَرِطُ دائمًا الكِفايَـةَ، وما يَفِي الغرض، في إدارتها للمشروعِ الواحِدِ بِعَينِهِ! في تَقْعِيدنا/تَقْيِيسِنا الإداريِّ هذا جوابٌ علميٌّ عن سؤالَيْنِ كثيرًا ما يَتَرَدَّدا على أَلسِنَةِ المُمارِسِين والمُهتَمِّين، وغيرهم، في علم ومهنة إدارة المشروعات:

هل يجبُ علينا تطبيقُ تفاصِيلِ مِهنَةِ إدارة المشروعات بِحَذافِيرِ مِعيارِها القياسِيِّ العالميّ (Global Standard) على المشروعات دائمًا؟

الجــواب: نَعَــم؛ فيما يخص المجالات المعرفية العشر (10)، ومجموعات العمليات الخمس (5) منها؛ حيث إنها بعبارةٍ أدقٍّ وأكثر اختصارًا تُعتَبَرُ: “فُروضَ أعيانٍ إِداريَّـة” فيها/عليها. أما التطبيق العملي للعمليات التسع والأربعين (49) والمدخلات، وَالوَسائِل وَالأسالِيب، وَالمُخرَجات (ITTOs) المائَةِ وَسَبْعَةٍ وَأَربَعِين (147) فَــلا؛ حيث المطلوب منها ما يُجْزِئ المشروعَ الواحد ويَكفِيه. وبعبارةٍ أدقٍّ وأكثرِ دلالة تعتبر: “فُروضَ كِفاياتٍ إداريَّــة” فيها/عليها.

ما هو أهمُّ مِعيارٍ فَيْصَليٍّ حاكِمٍ على نَجاحِ (Success) أو إِخْفاقِ ومُعافاةِ (Health) أو اعتِلالِ المشروع إداريًّا من الناحية العلمية المهنية؟

الجــواب: إنَّ مِن أهَمِّ (وليس كُلّ!) المعايير القياسية الحاكمة مِهْنِيًّا على نجاحِ أو إخفاقِ، ومُعافاةِ أو اعتِلالِ، المشروع هو جوهر قاعدتنا/مقياسنا المُقَرَّر أعلاه. وعليه؛ فإنَّ في معرفة وتطبيق قاعدة/مقياس فُرُوض الأعيان والكفايات الإدارية المهنية الجوابَ الكافي لمن سأل عن الحلّ الوافي!

لَعلَّنا في هذا التَّقْعِيد/التَّقْيِيس الإداري، وبناءً على أصولِ وقواعِدِ فِقْهِنا الشَّرعيِّ الإِسلامِيِّ، قد وُفِّقْنا إلى إضافةِ قِيمَةٍ جديدَةٍ لِعِلْمِ ومِهْنَةِ إدارة المشروعات المعاصرة من نواحي الفهم والتصوُّر والحَيَوِيَّة في التطبيق العمليّ المَيْدانيّ. (الحَيَوِيَّة “Agility” = المُرونَــة “Flexibility” + التَّكَيُّفِيَّــة “Adaptability”).

قد يتساءلُ البعض! وما حاجَتُنا لهذا التقعيد/التقييس في فهم وتصور وحيوية إدارة المشروعات أساسًا؟! أقول: ما لا يَتِمُّ الواجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ واجِب؛ وعليه؛ فإنَّ هذا الفهم والتصور والحَيَوِيّة في المشروعات وإدارتها هو ما يضمن رفع إنتاجيَّتها (الإنتاجية = 3Es = الكَفاءَة + الفَعَّالِيَّة + التَّرشِيد) بما مُؤَدَّاهُ زيادَةُ العائِدِ على الاستِثْمار (ROI) فيها… وإلا؛ فما السِّرُّ وراء عالي إنتاجِيَّةِ مشروعات الدُّوَلِ المتَقَدِّمَة؛ على الرغم من قِلَّة مَوارِدِ (Resources) أغلبها الطبيعِيَّةِ ومُنَظَّماتِها…؟! وبالمقابل؛ انخفاض إنتاجية مشروعات الدول النامِيَة؛ على الرغم من وَفْرَةِ مَوارِدِ أغلبها الطبيعِيَّةِ ومُنَظَّماتِها…؟!!

تحياتي للتَّغييريِّين النَهضويّين،،،